نخبة من الأكاديميين

16

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

على المستوى العالمي ، وحاز من خلاله الشهرة في أدبيات الإغريق ، انطلاقاً من حملة الإسكندر في النصف الأخير من القرن الرابع الميلادي ، ولكن ما كان للمنطقة أن تحظى بهذه الأهمية ، لولا التحوّل في طرق مواصلات التجارة باتجاه البحار الجنوبية ، حيث تنبّهت اليمن من خلال موقعها الجغرافي الفريد ، إلى فعالية الدور الذي يمكن أن تتبوأه في هذا السياق ، وقد ترافق ذلك مع قيام مجموعة ريادية من مراكز الاستقرار ، أبرزها « ممالك » مَعين وسبأ وضمير ، إذ كانت مدينة في الواقع لذلك التحوّل الذي فتح آفاقها على الشرق ، مستوردة سلعه المهمة ، كما على الغرب ، متصلةً بأسواقه في المنطقة ، سواء عبر البحر الأحمر ، أو عبر الطريق البرية الناشئة في ما بعد ، في موازاة ساحله الشرقي . كانت أهمية البحر الأحمر مرتبطة بالقوى المسيطرة على مصر ، منذ عهد البطالمة الذين أسهموا في تنشيط حركة الملاحة التجارية ، وكان مألوفاً تردّد سفنهم على موانئ اليمن ، المرتبطة من جانبها ، بعلاقات وثيقة بموانئ المحيط الهندي ، وثمة نص قديم يعود إلى النصف الأول من القرن الثالث قبل الميلاد ، أي في عهد السيطرة السبئية ، يشير إلى أن كاهناً ( يمنياً ) كان يزوّد معابد الآلهة في مصر ب - « المرّ والقليمة « 1 » » ، لقاء أصناف من الأقمشة المصرية الفاخرة ، المصنوعة من الكتّان ، ويقوم بهذا النشاط على متن سفينة خاصة « 2 » . كما تطوّرت هذه التجارة البحرية إبان سيطرة الرومان على مصر في وقتٍ كان هؤلاء يطمحون إلى استكمال مشروعهم التوسعي ، بضمّ شبه جزيرة العرب إلى دائرة نفوذهم ، وصولًا إلى سواحل الخليج والمحيط الهندي ، بما يؤدي إلى الهيمنة التامة على تجارة الشرق ، فضلًا عن التحكّم بمنابع البخور في أجزائها الجنوبية ، تلك المادة التي استخدمت على نطاق واسع في طقوسهم الدينية « 3 » . ولقد تبلورت هذه الخطّة لا سيما بعد القضاء على دولة الأنباط في أعالي شبه الجزيرة ، وما أسفر عن ذلك من إنعاشٍ للطريق البريّة ، الممتدّة من أيله ( العقبة ) ، عبر البتراء وبصرى إلى دمشق « 4 » . ولعل « أغسطس » كان من أكثر الأباطرة الرومان حماسة للسيطرة على شبه الجزيرة ، تشدّه إلى ذلك حالة الثراء التي تمتّع بها العرب الجنوبيون ، فشجّع في هذا السبيل القوافل البحرية على ارتياد المنطقة حتى الهند ، ابتغاءً للسلع اليمنية من مصادرها الأساسية « 5 » . ولكن أغسطس لم يتوقف عند حدّ المتاجرة المباشرة مع اليمن ، وإنما تطلّع إلى أبعد من ذلك ، حين قرّر غزو شبه الجزيرة ( 24 ق . م . ) ، عاهداً بهذه المهمة إلى حاكم مصر حينذاك ( أوليوس غالوس ) . غير أن المعلومات عن هذه الحملة يشوبها غموض ، لا سيما بعد انطلاقها من أحد الموانئ المصرية على البحر الأحمر ، على ميناء ( لويكة كومي ) وهذا الأخير ، يقع في دائرة نفوذ الأنباط العرب ، حيث انضمّ إليها عدد منهم ، فضلًا عن مصريين ورومان . وإذا كان مقرَّراً أن تتابع الحملة سيرها جنوباً ، عبر البرّ ، إلى اليمن ، فقد توافرت الأخبار عن تقدّمها بصورة أكثر غموضاً ، لا سيما وأن متاعب شتى واجهتها ، كان أخطرها انتشار الأوبئة بين جنودها ، مما اضطرها إلى العودة بعد ستين يوماً على إقلاعها ، مخلّفة وراءها العديد من القتلى « 6 » . ولكن فشل الحملة لم يؤد إلى قطع العلاقات التجارية باليمن ، نظراً لحاجة الرومان إلى منتجاتها في حياتهم

--> ( 1 ) قصب الطيب ( 2 ) جواد علي ، المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج . 2 ص . 35 - 37 . ( 3 ) إبراهيم بيضون سهيل زكّار ، تاريخ العرب السياسي ص . 19 . ( 4 ) رينيه ريسو ، العرب في سوريا قبل الإسلام ص . 908 . ( 5 ) جواد علي ، المرجع السابق ج . 7 ص . 27 . ( 6 ) المرجع نفسه ج . 2 ص . 47 .